محمد راغب الطباخ الحلبي

350

إعلام النبلاء بتاريخ حلب الشهباء

خلفائه وليا للّه عارفا به ناصحا لعبيده دالا عليه قائما بأمره عالما عاملا كاملا وقورا . ثم أذن له بالرجوع إلى حلب فرجع إليها وأخذ في الإرشاد بقاله وحاله ، وهرعت الناس إليه وصارت تضرب به الأمثال في الورع والعلم والعمل ، واشتهر بالمكاشفات الجلية . وكان جماعته لا يقدرون على مواجهته إذا وقعت منهم هفوة وإن قلتّ حتى يتداركوها بتوبة ، فإن لم يلحقوها بتوبة مقتهم وأغلظ عليهم المقال . وما أضمر أحد في نفسه شيئا إلا واجهه به شفاها في معرض كلامه ، فإن أنكر أعاد عليه الكلام ، فإن أنكر زجره بالتعريض ، فإن لم يفد معه التعريض زجره بالتصريح وصرح له بما ارتكبه من الهفوات . وكان محببا في قلوب الناس ، ومع ذلك لا يقدرون على مكالمته لشدة هيبته . وكان يحب العزلة عن الناس هاربا إلى اللّه تعالى ملازما لأوراده خصوصا قراءة الفاتحة ، قل أن تجده ساكتا مفرغا عن عبادة ما مراقبا خاشعا محققا مدققا في العلوم النقلية والعقلية في درس الخواص وموضحا بتقرير الأمثال وتوضيح الإشكال في دروس العوام . وكان ينزل الناس على قدر قربهم من اللّه تعالى لا على قدر ظهورهم في الدنيا . وكان إذا أطال أحد الجلوس عنده قال له : قم مع السلامة ، ولو كان من أعز أصدقائه ، وكان شفوقا على سائر الناس . وأما بغضه للعصاة فمن حيث المخالفة لربهم ، ففي الحقيقة شفقة عليهم . وليس عنده اعتراض على ما في الكون ، بل كل ما فيه يراه حسنا من حيث صدوره من الفاعل المختار ، وكان كثيرا ما يتمثل بشطر هذا البيت ويقول : ( وقبح القبح من حيثي جميل ) . وكان المرجع إذا اختلفت الآراء ، كشافا للمعضلات ، أستاذ العصر . وقد عرف قدره في حلب والشام ومصر . تصدر للإفتاء والتدريس بحق ، وكانت دروسه حافلة لطلاقة لسانه وحسن تقريره وضربه للأمثال وتحريره وتنقيحه للأقوال ، ولا يغضب ويرضى إلا للّه تعالى ، ولا يخاف الخلق ، ولا يقدر أحد أن يعترض عليه من الرجال لوفور علمه وخوفهم من أسرار باطنه ، وله الصدارة في حلب وغيرها ، ولكن تنزه عنها ورغب في الخمول والخفا ، والذي يراه من بعيد ظنه من أهل الجفا . وكان في التواضع على جانب عظيم ، فما رؤي أنه ركب فرسا أو بغلا أو حمارا في البلد قط ، وما أعطى